السيد محمد الصدر

379

منة المنان في الدفاع عن القرآن

قد يكون صدر من النبي ( ص ) غير أنَّه صدر للمتسحقّ لا لمن لا يستحقّ . أمّا أن يُعلن في مجلسٍ عامٍ فهو مصيبة المصائب ، وحينها اعترضت على صاحب المجلس - وكان من فضلاء الحوزة - أن لا يسمح بمثل ذلك . وقد يقال : إنَّ الله تعالى أعطى فرصةً لأن يذنب الإنسان بقوله : مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ، فإذا فهم الناس هذا المعنى تنفتح فرص الذنوب أمامهم . ويُلاحظ عليه : أنَّ الذين لا يستحقّون لا يفهمون مضمون الآية إطلاقاً ؛ لأنَّه لم يقل : أجب بهذا الجواب بصراحة وبالدلالة المطابقيّة ، وإنَّما وصف لفظ الجلالة ( الله ) بالكريم واكتفى ، نظير أن نقول : هو الرحمن الرحيم السميع البصير ؛ لأنَّ الله تعالى في الجملة يتّصف بهذه الأوصاف ، فالمعنى يشكّل البعد الظاهري في الآية . أمّا أنَّه يُلقّن العبد ويعطيه رأس الخيط في المغفرة والرحمة ، فهذا درجة من درجات الباطن ، ودرجات الباطن لا يفهمها أهل الظاهر إطلاقاً ، فإذا كان الفرد مستحقّاً لفهمها كان مستحقّاً لتطبيقها ويتحمّل مسؤوليّتها . أمّا السائرون في المعصية والموغلون في الرذيلة فلا يعرفونها ولا يفهمونها أبداً ، وليس لهم التوفيق في الرجوع إلى مصادر التفسير . ولذا فالروايات المطمئنة والمطمعة غير معلنة بين الناس ، ولا يعرفها إلّا القليل ، وحذار أن يعرفها الكثير . ولعلّ هذا الذي حدى بالسيّد الطباطبائي إلى نفي هذا المعنى إذ قال « 1 » ما مضمونه : ليس من حقّ الإنسان أن يقول في

--> ( 1 ) قال السيّد الطباطبائي في الميزان : وليس للإنسان أن يجيب فيقول : ( أي ربّ ، غرّني كرمك ) فقد قضى الله سبحانه وتعالى فيما قضى وبلّغه بلسان أنبيائه : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [ سورة إبراهيم ، الآية : 7 ] ، وقال : فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى [ سورة النازعات ، الآيات : 37 - 39 ] ، إلى غير ذلك من الآيات الناصّة في أن لا مخلص للمعاندين من العذاب وأنَّ الكرم لا يشملهم يوم القيامة . قال : . . . وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ . . . [ سورة الأعراف ، الآية : 156 ] . ولو كفى الإنسان العاصي قوله : ( غرّني كرمك ) لصرف العذاب عن الكافر المعاند ، كما صرفه عن المؤمن العاصي ، ولا عذر بعد بيان . ومن هنا يظهر أن لا محلّ لقول بعضهم : إنَّ توصيف الربّ بالكريم من قبيل تلقين الحجّة ، وهو من الكرم أيضاً . . . راجع الميزان في تفسير القرآن 225 : 20 ، تفسير سورة الانفطار .